الشيخ الصدوق
11
من لا يحضره الفقيه
قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة أخذ به . قلت : جعلت فداك وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا لها بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال : بما يخالف العامة فإن فيه الرشاد . قلت : جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا ؟ قال ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر . قلت : فإن وافق حكامهم وقضاتهم الخبران جميعا ؟ قال : إذا كان كذلك فارجه ( 1 ) حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " . باب * ( آداب القضاء ) * 3234 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " من ابتلي بالقضاء فلا يقضين وهو غضبان " ( 2 ) . 3235 - وقال الصادق عليه السلام : " إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه ولمن عن يساره : ما تقول ؟ ما ترى ؟ فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ألا يقوم ( 3 ) من مجلسه ويجلسهما مكانه " ( 4 ) .
--> ( 1 ) أي قف ولا تحكم . ( 2 ) رواه الكليني ج 7 ص 413 عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وقال في الشرايع : " ويكره أن يقضى وهو غضبان وكذا يكره مع كل وصف يساوى الغضب في شغل النفس كالجوع والعطش والغم والفرح والوجع ومدافعة الأخبثين وغلبة النعاس ولو قضى والحال هذه نفذ إذا وقع حقا " . ( 3 ) يعنى لم لا يقوم ، وفى الكافي ج 4 ص 414 أيضا هكذا وكلمة " ألا " بالفتح للتحضيض وفى بعض النسخ والتهذيب " الا أن يقوم " . ( 4 ) الخبر مروى في الكافي بسند فيه ارسال ، وقوله " ما تقول ؟ ما ترى ؟ " أي بطريق استعلام الحكم حيث لا يعلم هو يسأل من عن يمينه أو عن يساره ، والخبر كما قال استاذنا الشعراني يدل على وجوب كون القاضي مجتهدا ، إذ كان مقلدا لاحتاج إلى غيره في السؤال ولا يخفى على المتأمل أن التنصيص على جميع الفروع غير ممكن ، وعلم المقلد بجميعها محال ويتفق للقاضي أمور لم يسمع النص عليه من عالم ويجب عليه دائما اعمال النظر في تطبيق الفروع على الأصول والتفحص عن الأدلة ، واكتفى صاحب القوانين وتبعه صاحب الجواهر - رحمهما الله - بقضاء المقلد وزعم أن من تصدى القضاء في زمن الأئمة عليهم السلام والنبي صلى الله عليه وآله لم يكونوا مجتهدين بل كانوا يأخذون الحكم منهم سماعا ويقضون به ، ولا نسلم تصدى غير المجتهد في عصرهم قضاء أصلا ، وكان صاحب القوانين حمل المجتهد على من يحفظ الاصطلاحات الأصولية المتجددة والمجادلات الصناعية وليس ذلك معنى الاجتهاد إذ قد رأى كل أحد جماعة من المهرة في تلك الأمور لا يعتمد عليه في مسألة شرعية من أوضح المسائل أصلا ومن ليس له قدرة على الجدل والمماراة قد يوثق بقوله في الشرع تبحره وانسه بأقوال الفقهاء وأخبار أهل بيت العصمة وتفسير القرآن وسيرة الرسول والمتواتر من عمل المسلمين ودقة نظره وتمييزه بين قرائن الصدق والكذب ومهارته في العربية وفهم مقاصد الكلام العربي والمجتهد هو القادر على استنباط الأحكام من الأدلة وكان هذه القدرة حاصلة لهم ، ولذلك إذا أنصف رجل وقايس بين الشيخ الصدوق أو الكليني - رحمهما الله - وبين الأصوليين المتأخرين وجد أن النسبة بينهما كالنسبة بين امرء القيس والسكاكي في الشعر والفصاحة ، وقد يتفق لأهل الجدل والمهرة في المغالبة والمماراة وابداء الشبهات أن يذهب بهم دقتهم في بعض الأمور إلى أن يخرجوا من مقتضى الأفكار السليمة ويؤديهم إلى الوسوسة والترديد وعدم الجزم بشئ ، وحصول الشبهات في القرائن الواضحة الموجبة للعلم للذهن السالم ، وهذا أيضا ضار بالاجتهاد ولا يجوز تقليد صاحبه ولا يقبل حكمه ولا ينفذ قضاؤه . وعندي أوراق مجموعة في أحكام القضاء لم يصرح باسم مؤلفه والظاهر أنه من أفاضل أهل التحقيق قد يستنبط بالتكلف من دقائق الألفاظ معاني لا يمكن أن يعتمد عليها العوام فضلا عن العلماء ، ومما حققه فيها " أن أدلة مشروعية القضاء وما استدلوا عليه من الكتاب والسنة والأخبار الخاصة الواردة في نصب نائب الغيبة لا تدل على جواز اعمال البينات والتحليف والأقارير ونحو ذلك من معينات الموضوعات بل مفادها بيان الحكم الإلهي في الموارد الجزئية . واستنبط ذلك من دخول حرف الباء على الحق والعدل وتقريبه أن القائل " إذا قال : حكمت بالحق أو أحكم بالحق فمعناه أن الحق حق قبل أن يحكم به ، وإذا قضى بالبينة والتحليف فليس ما حكم به حقا قبل الحكم بل صار حقا بسبب الحكم فلا يصدق عليه أنه حكم حكما حقا ، وبالجملة في موارد الحكم بالبينة ومثلها نفس الحكم حق لا متعلق الحكم " ونحن نقول : مفهوم القضاء والحكم يشمل الحكم بالبينة والتحليف والأدلة الظاهرية قطعا وشموله لها أوضح من شموله لما اشتبه نفس الحكم وذلك لانس ذهن جميع الناس بأن القضاء لا يمكن بغير بينات وشهود وان المدعى عليه لا يتسلم للمدعى فلا بد من اقامته البينة عليه ، وإذا ورد حديث أو دل آية على جواز تصدى القضاء والحكم بين الناس دل على جواز الاعتماد على البينات والتحليف والأدلة الشرعية سواء قال أحكم بالحق أو أحكم حكما حقا ، ولا اعتبار بهذا التدقيق في حرف الباء مع هذه القرينة القوية الدالة على أن القضاء لا يمكن بغير البينة وإقامة الأدلة والاذن في أحدهما اذن في الاخر - انتهى .